محمد دشتى

436

روات و محدثين نهج البلاغه (فارسى)

الخير والشّرّ أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم . فإذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ( حالهم ) ، وزاحت الأعداء له عنهم ، ومدّت العافية به عليهم ، وانقادت النّعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الإجتناب للفرقة ، واللّزوم للألفة ، والتّحاضّ عليها ، والتّواصي بها . واجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم ، وأوهن منّتهم ؛ من تضاغن القلوب ، وتشاحن الصّدور ، وتدابر النّفوس ، وتخاذل الأيدي . وتدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم ، كيف كانوا في حال التّمحيص والبلاء . ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدّنيا حالا . اتّخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ، وجرّعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة وقهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ، ولا سبيلا إلى دفاع . حتّى إذا رأى اللّه سبحانه جدّ الصّبر منهم على الأذى في محبّته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا ، فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكّاما ، وأئمّة أعلاما ، وقد بلغت الكرامة من اللّه لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم . فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة ( متّفقة ) ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة ( مترافدة ) ، والسّيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة . ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين ، وملوكا على رقاب العالمين ! فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، وتشتّتت الألفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعّبوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللّه عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين . فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السّلام . فما أشدّ اعتدال الأحوال ، وأقرب اشتباه الأمثال ! تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم وتفرّقهم ، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم ، يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق ، وخضرة الدّنيا ، إلى منابت ( مهابّ ) الشّيح ، ومهافي الرّيح ، ونكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ( دين ) ووبر ( وتر ) ، أذلّ الأمم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ ألفة يعتمدون على عزّها . فالأحوال مضطربة ، والأيدي مختلفة ، والكثرة متفرّقة ؛ في بلاء أزل ، وأطباق جهل ! من بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة . 14 - مكتسبات البعثة النّبويّة فانظروا إلى مواقع نعم اللّه عليهم حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملّته طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم : كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ،